الطفل الذي عاش مشاهد ضرب والده لأمه، وسمع الصراخ، ورأى الخوف في وجهها، لا ينسى ذلك كما يظن الناس.


في تلك اللحظات، لا يعيش خوفًا عابرًا فقط، بل يشعر بالعجز، والارتباك، والاختناق، والتشتت، لأن البيت الذي كان من المفترض أن يكون مصدر أمان، يتحول أمامه إلى مكان تهديد. وقد لا يملك حينها لغة يشرح بها ما يحدث داخله، لكنه يخزن المشهد في جسده ومشاعره وطريقته في فهم العالم.


يكبر هذا الطفل، لكن يبقى داخله خوف قديم، وصعوبة في الأمان، وارتباك في الثقة. ويظهر ذلك لاحقًا في علاقاته، وفي نظرته لنفسه، وفي بعض العادات والسلوكيات التي يحاول بها الهروب أو التكيف مع ألم لم يفهمه كاملًا. ولهذا، كثير من المشاكل التي تظهر اليوم لا تبدأ من اليوم فقط، بل تعود إلى بيت دخل إليه والدان دون وعي، ودون نضج أو تثقيف، فقط لأن الثقافة دفعت نحو الزواج والاستمرار فيه، حتى دون فهم لما يحتاجه البيت من مسؤولية واحتواء.


والأطفال لا يمرّون من هذا كله بلا أثر. فبعضهم يكبر وهو يحمل خوفًا من القرب، أو صعوبة في الثقة، أو اضطرابًا في علاقته بالحب، أو نفورًا من صورة الأب، وقد يمتد الأثر أحيانًا إلى رفض كل ما ارتبط في داخله بالأب من أذى وخوف بدل الأمان. ومن هنا قد يتأثر حتى الجانب الديني، لا لأن الدين نفسه هو المشكلة، بل لأن بعض الأبناء قد يربطون في داخلهم بين التدين أو السلطة أو الخطاب الأخلاقي وبين صورة مؤذية عاشوها في البيت، خاصة إذا كان الأب يتحدث باسم الدين أو القيم وهو يمارس الأذى في الواقع. وهذا قد يترك ارتباكًا داخليًا، أو نفورًا، أو مسافة نفسية من كل ما أعاد لهم ذلك التناقض.


ولا يقف الأثر عند هذا الحد، بل يمتد أيضًا إلى طريقة الابن أو البنت في رؤية الحياة نفسها. فقد يكبر بعضهم من غير اهتمامات واضحة يسعى لاكتشافها، أو من غير أحلام تتكون داخله بوضوح، لأن النفس التي انشغلت طويلًا بالخوف والنجاة لا تملك دائمًا المساحة الكافية لتتطلع، أو تتخيل، أو تبني شغفها بهدوء. وقد يضعف عنده الفضول تجاه العلوم، والاكتشاف، وتجربة قدراته في أمور مختلفة، ليس لأنه أقل من غيره، بل لأن جزءًا من طاقته كان مستنزفًا منذ وقت مبكر في التكيف مع بيئة غير آمنة.


ولهذا، فالتوعية لا يحتاجها فقط من يريد الزواج، بل يحتاجها أيضًا الأبوان اللذان يحملان ماضيًا مؤذيًا لم يُفهم ولم يُعالج، لأن تجاهله لا يختفي، بل قد ينتقل أثره إلى الأطفال بطرق مختلفة. وفتح الأحاديث الصحية داخل البيت، وطلب المساعدة عند الحاجة، أمران مهمان. وفهم الجذور القديمة للألم لا يعني تبرير الوجع، بل يعني أن نمنع امتداده، حتى لا يكبر الطفل وهو يدفع ثمن شيء لم يكن له يد فيه.


ومن الناحية النفسية، هذا النوع من الخبرات قد يرتبط لاحقًا بأعراض أو اضطرابات معروفة، منها اضطراب ما بعد الصدمة PTSD، والقلق، والاكتئاب، واضطرابات التكيف، وأحيانًا مشكلات أعمق في تنظيم المشاعر، والعلاقات، وصورة الذات. كما أن الصدمة المعقدة Complex PTSD واردة خصوصًا عندما يكون التعرض متكررًا وممتدًا داخل بيئة يفترض أن تكون آمنة. وفي التصنيفات، يوجد أيضًا وصف سريري اسمه Child Affected by Parental Relationship Distress، ويُستخدم عندما يكون الطفل متأثرًا نفسيًا من اضطراب العلاقة بين الوالدين، بما في ذلك العنف بينهما. هذا لا يعني أن كل طفل سيأخذ تشخيصًا محددًا، لكنه يعني أن الأثر معروف ومُعترف به سريريًا، وقد يظهر بأشكال مختلفة من شخص لآخر.


ما يحتاجه هذا الطفل، حتى بعد أن يكبر، ليس التقليل من وجعه، ولا مطالبته بأن يتجاوز كل شيء وكأن شيئًا لم يكن، بل أن يُفهم أثر ما عاشه بصدق، وأن يُنظر إليه برحمة، وأن تُمنح له مساحة آمنة يعيد فيها فهم نفسه بعيدًا عن اللوم.


ففهم هذه الآثار ليس ترفًا، بل ضرورة، لأن الطفل الذي عاش الخوف لا يحتاج عندما يكبر إلى لوم جديد، بل إلى وعي يفسر ما جرى، ورحمة تساعده على ألا يبقى أسير أثر لم يختره.