لم أتخيّل يومًا أن أكتب هذه الكلمات بهذا القدر من الصدق، بلا خوف أو خجل.

كنت أعيش إعصارًا داخليًا لا يهدأ؛ كل شيء كان مؤلمًا، سريعًا، وعنيفًا. ردود الأفعال تضربني بقسوة، والكلمات، وحتى البسيطة منها، كانت قادرة على هدم أيامي بالكامل. عشت تقلبات حادة، علاقات متكسّرة، وصورة مهزوزة عن نفسي، وصلت بي إلى فقدان المعنى.


البداية


أنا روري (رنا)، فتاة في الثانية والعشرين من عمرها. في عام 2022 تم تشخيصي رسميًا باضطراب الشخصية الحدّية. كان التشخيص في بدايته أشبه بلعنة، لكنه في الوقت نفسه قدّم تفسيرًا طال انتظاره لكل ما شعرت به ولم أفهمه يومًا.


دفعتني حالتي إلى العلاج عندما فقدت قدرتي على الدراسة، وغرقت في اكتئاب يمتد لأيام، وأفكار انتحارية بدت واقعية ومخيفة. كنت أرى نفسي في المرآة كوحش، إلى درجة أنني لم أعد أحتمل النظر إليها. كرهت نفسي بصدق؛ جسدي، صوت أنفاسي، وحتى حقي في الاهتمام بذاتي. عزلت نفسي داخل المنزل، بلا أهداف ثابتة، وبلا إيمان بأنني أستحق شيئًا.


آذيت نفسي بطرق مختلفة، وكانت تلك المرحلة مؤلمة لي ولمن حولي، خصوصًا عائلتي وأمي. بدعمهم، وبدفع من صديقاتي، بدأت رحلة البحث عن مساعدة حقيقية، إلى أن تم تشخيصي رسميًا.


رحلة العلاج


لم تكن سهلة. بدأت بالعلاج السلوكي دون أدوية، ثم اضطررت لاحقًا لاستخدام العلاج الدوائي بعد انتكاسات متكررة. تنقلت بين مختصين، وتخبّط التشخيص بين اضطراب الشخصية الحدّية وثنائي القطب.

نجحت الأدوية جزئيًا، لكنني كنت أستخف بالعلاج السلوكي الجدلي، ظننت أنه تفصيل ثانوي… حتى التزمت به فعليًا في عام 2024.


العلاج السلوكي الجدلي (DBT)


هنا تغيّر الفهم.

قالت لي معالجتي:

«نحن لا نحاول تغييرك، بل نعلّمك كيف تحتوي نفسك.»

لأول مرة شعرت أن العلاج ليس إصلاح شيء مكسور، بل احتضانه.


العلاج السلوكي الجدلي يعلّم مهارات للتعامل مع المشاعر دون إيذاء النفس، ومررت فيه بأربع ركائز أساسية:

• الانتباه الكامل: أن أكون حاضرة مع شعوري دون أن أغرق فيه.

• تحمّل الضيق: أن أواجه الألم بدل الهروب منه.

• تنظيم المشاعر: الفصل بين الشعور والتصرف، وتسميته بوضوح.

• فعالية العلاقات: التعبير، وضع الحدود، وطلب الاحتياجات دون غضب أو ذنب.


لم يكن الطريق سهلًا. نسيت المهارات، تعثّرت، وبكيت كثيرًا. لكنني كنت أعود في كل مرة. لم أُلغِ نفسي القديمة، بل سامحتها.


ما الذي تغيّر؟


ما زلت أنا: بمشاعري العميقة، وخوفي من الهجر، واحتياجي للحب.

لكن الفرق أنني:

• أسمّي مشاعري بدل أن تبتلعني.

• أهدأ قبل الانفجار.

• أختار علاقاتي بوعي، وأبتعد عمّا يعيدني للانتكاس.


اليوم أنا كاتبة، وموظفة ناجحة، وشخص اجتماعي بعد سنوات من الانطواء. أشارك آرائي دون خوف، وأرى نفسي بوضوح أكبر. تعلّمت أن أضع نفسي أولًا، وأنني أستحق فرصًا، وعلاقات تُقدّر وجودي حتى في لحظات انطفائي.


الانتكاسات


ما زالت موجودة، ولا أنكر نوبات الانقسام. لكنني اليوم أتعامل معها بوعي:

أفهم أن الفكرة السلبية ناتجة عن الاضطراب، لا عن حقيقتي. وأنا الآن أواصل علاجي بالسلوك الجدلي بعد سنوات من الأدوية.


الخاتمة


الصبر ضروري في هذه الرحلة، لكن الأهم هو الرغبة الصادقة في التغيير.

الاضطراب صعب… لكن البقاء في نفس الدائرة أصعب.

قد يبدو الطريق طويلًا، وربما مُرهقًا، لكن هناك نورًا حقيقيًا في نهايته.