لا أعرف متى بدأ كل شيء يتداعى.
كل ما أعرفه أن الحزن لم يأتِ هذه المرة صاخبًا، بل تسلل بهدوء، حتى استقر في مكانٍ لا تصل إليه محاولات التجاهل.
كنت أظن أن الانشغال يطفئ الألم، وأن الأيام كفيلة بترويضه، لكن بعض الأحزان لا تطلب انتباهك؛ هي فقط تنتظر بصبر حتى تصبح جزءًا منك.
ولهذا بدأ جسدي يتحدث نيابةً عني.
كل لقمة كانت تبدو كأنها أثقل من قدرتي على الاحتمال، وكل ما أتناوله يعود إليّ، وكأن جسدي يرفض أن يحمل شيئًا آخر، بعد أن امتلأ بما لم أجرؤ على البوح به. لم أكن أستفرغ الطعام بقدر ما كنت أستفرغ صمتًا طويلًا، وخوفًا متراكمًا، ومشاعر بقيت عالقة في صدري حتى ضاقت بها روحي.
لم أختر أن تكون البداية هناك، لكنها كانت وأنا آكل، حين بكى جسدي قبلي.
لم يكن هناك سبب واضح، ولا فكرة محددة، ولا حتى شعور أستطيع أن أسمّيه؛ فقط دموع سقطت على مهل، وكأنها كانت تعرف الطريق قبل أن أعرف أنا إلى أين أمضي.
ومنذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء.
صار الخوف يسكن التفاصيل الصغيرة، وأصبح الضياع شعورًا يوميًا، وصارت العزلة المكان الوحيد الذي لا أحتاج فيه إلى تفسير نفسي لأحد.
حتى ذلك الشخص الذي لم أتخيل يومًا أنه سيلتفت إلى تعبي، أمسك يدي وسألني بهدوء:
«فيك شيء؟»
وكان السؤال أثقل من كل الإجابات.
للمرة الأولى، أدركت أن ما أعيشه لم يعد حزنًا أخفيه، بل وجعًا يراه الآخرون أيضًا.
الحياة لا تتعبنا بالأحداث وحدها، بل بما تتركه في أرواحنا بعد أن تنتهي. فما إن أخرج من دوامة حتى أجد أخرى تنتظرني، وكأن النجاة نفسها أصبحت عملًا يوميًا لا ينتهي.
يقولون إن للاكتئاب وجهًا واحدًا، لكنني أراه مدينةً كاملة، تتبدل شوارعها كل مرة، وتتغير ألوانها حتى لا تعتادها. وما أعيشه الآن ليس الوجه الذي عرفته من قبل، بل نسخة جديدة من العتمة، أكثر هدوءًا وأكثر قدرة على التغلغل.
ولهذا، لا يزال السؤال نفسه يرافقني كظلٍ لا يغادرني:
هل لهذا الألم نهاية، أم أنني أنا نهايته؟ وهل للروح، بعد كل هذا التيه، موعدٌ مؤجل مع الطمأنينة؟




التعليقات (0)
لا يوجد تعليقات حتّى الآن